السيد كمال الحيدري
139
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
ليس إلّا ، ثمّ تبدأ عمليّة الاستدلال للاستفادة من المنهج الموجود عندها لإثبات ذلك المطلب ، أو ذلك المدّعى الذي وصلت إليه . أمّا المدرسة العرفانيّة فكان منبعها القلب ، ونعني به الكشف والعرفان . وللتمييز بين هذين الطريقين في الاستدلال ( طريقة العقل وطريقة القلب أو الكشف ) نأخذ مثالًا على ذلك النار ، فمن خلال وجود الدخان نصل إلى معرفة وجود النار ، فحيث إنّ الدخان أثر يحتاج إلى مؤثِّر ، فلابدّ أنّ هناك مؤثّراً ، ومن خلال خصائص هذا الأثر نستطيع الوصول إلى معرفة أنّ المؤثِّر هو وجود النار ، ومن دون ذلك لا يمكن أن تصل إلى حقيقة النار . وأيضاً عندما ننظر إلى هذا العالم نجد فيه الإتقان والدقّة في الصنع والعلم والقدرة ، فنقول حينئذ بأنّ المؤثّر الذي أوجد هذا العالم لابدّ أن يكون حكيماً عالماً قادراً ونحو ذلك من الصفات . وهذه هي الطريقة العقليّة التي ترى أنّ الوصول إلى المؤثّر يكون من الخصائص التي تكتشفها في الأثر . وهناك طريقة ثانية لفهم المؤثّر وهي أن تقترب من النار فتضع يدك في النار مباشرةً أو قريباً منها فتشعر وتحسّ بالحرارة وجداناً ، فلا يقال عندئذ أنّ هناك مؤثّراً له حرارة ، أو أنّك علمت بصورة الحرارة ، بل علمت بالحرارة هنا وجداناً . فالفلسفة المشّائيّة أو البحثيّة تعتمد الطريق الأوّل ، أي تعتمد الصورة والعلم الحصولي وعن طريق ذلك تحاول أن تقيم البرهان . أمّا المدرسة العرفانيّة فإنّها ترى أنّه بالرياضات وبتهذيب القلب وبصقل النفس يمكن إقامة الدليل والبرهان ، فالبون شاسع بين الطريقتين والمدرستين لأنّ الأولى